الجصاص
147
أحكام القرآن
أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين . وهذا لا خلاف فيه بين الأمة ، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم ، ولكن موضع الخلاف بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية ؟ فكان من قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام والمسلمين أن لا يغزوهم وأن يقعدوا عنهم ، وقال آخرون : " على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية " ، وهو مذهب أصحابنا ومن ذكرنا من السلف المقداد بن الأسود وأبو طلحة في آخرين من الصحابة والتابعين . وقال حذيفة بن اليمان : " الاسلام ثمانية أسهم " وذكر سهما منها الجهاد . وحدثنا جعفر بن محمد : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج قال : قال معمر : كان مكحول يستقبل القبلة ثم يحلف عشر أيمان أن الغزو واجب ، ثم يقول : إن شئتم زدتكم . وحدثنا جعفر قال : حدثنا جعفر : حدثنا أبو عبيد : حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث أو غيره عن ابن شهاب قال : " كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعدوا ، فمن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد " ، وهذا مثل قول من يراه فرضا على الكفاية . وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس بفرض يعنون به أنه ليس فرضه متعينا على كل أحد كالصلاة والصوم وأنه فرض على الكفاية . والآيات الموجبة لفرض الجهاد كثيرة ، فمنها قوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) [ البقرة : 193 ] فاقتضى ذلك وجوب قتالهم حتى يجيبوا إلى الاسلام ، وقال : ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ) الآية ، وقال : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية ، وقال : ( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ) [ محمد : 35 ] ، وقال : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) ، و ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) ، وقال : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) ، وقال : ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ) ، وقال : ( فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ) [ النساء : 71 ] ، وقال : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) [ الصف : 10 و 11 ] ، فأخبر أن النجاة من عذابه إنما هي بالإيمان بالله ورسوله وبالجهاد في سبيله بالنفس والمال ، فتضمنت الآية الدلالة على فرض الجهاد من وجهين ، أحدهما : أنه قرنه إلى فرض الإيمان ، والآخر : الإخبار بأن